
يكاد هذه الأيام موضوع التمييز الإيجابي للشرائح المغبونة كشريحة الحراطين يقسم الطيف السياسي؛ إلى فسطاطين أحدهما يرفض المقاربة بأصولية مفرطة؛ والآخر بأصولية أقل تشددا؛ إذ يرى الأمر تعديا على مبدأ مساوات المواطين أمام الفرص؛ وبين هذا وذلك تمور الساحة السياسية مورا.
ولعل في نظر هؤلاء؛ ليس من الوارد تنازل فئة منتفعة من بقرة الدولة عن بعض من امتيازاتها لأن فئات اجتماعية مهمشة ومغبونة من أشقاء الوطن؛ طالبوا فجأة بالعدالة في تقاسم الثروة وتقلد المناصب ذات التأثير في هرم الدولة.
حراك النهوض ربما كان له الفضل في تحريك الساحة السياسية والحقوقية؛ من خلال إعادة موضوع التمييز الإيجابي هذا للواجهة؛ بل وطرحه للنقاش مجددا؛ عبر ندوة موسومة "بالتمييز الإيجابي كأداة لمحاربة الغبن".
ورغم اللغط السياسي الذي أثاره موضوع التمييز الإيجابي؛ خاصة في أوساط بعض النخب السياسية الموالية؛ سواء فريق الأصولية الفرطة أو الأصولية الأقل تشدد؛ إلا أن وجهة النظر هذه لا تخرج من أحد أمرين.
إما أن النخب السياسية الموالية هذه تعترض على خيار سياسي وحقوقي يخرج من رحم منظومتنا السياسية؛ أو أن لها حسابات مناهضة لتوجهات صاحب الفخامة؛ رئيس الجمهورية؛ السيد: محمد ولد الشيخ الغزواني؛ الأب الشرعي لمشروع العدالة الاجتماعية في البلد.
ذلك أن رئيس الجمهورية منذ خطاب تنصيبه؛ 1 أغسطس 2019؛ كان على قناعة معلنة أن فئات اجتماعية في مقدمتها شريحة الحراطين؛ هي ضحية تجهيل وتفقير وهشاشة وغبنّ.
يقول؛ رئيس الجمهورية: "سأعمل بقوة وحزم من أجل القضاء على جميع مظاهر الغبن والحيف أيا كان مصدرها وأيا تكن طبيعتها؛ وسأولي عناية قصوى للفئات الهشة وتلك التي عانت تاريخيا من أي شكل من أشكال التهميش" أنتهى الاقتباس الأول.
عند التأمل قليلا في هذه الفقرة المقتبسة من خطاب فخامته بمناسبة تنصيبه؛ يمكن الخروج بحقيقة سياسية من شقين:
أولا: اعتراف رسمي بواقع الغبن الذي عانته وتعانيه هذه الشريحة؛
ثانيا: إرادة سياسية صارمة للقضاء على جميع مظاهر ذلك الغبن والحيف سواء لأسباب متصلة بالاسترقاق ومخلفاته أو لخلل ما في حكامتا السياسية.
وفي ذات السياق لا تقتصر توجهات رئيس الجمهورية في مجال العدالة الاجتماعية على هذا الحد؛ بل يبدو خطابه للذكرى الـ 63 لعيد الاستقلال الوطني؛ 28 نوفمبر 2023؛ أكثر تقدمية حتى على الطرح السياسي للوضع الاجتماعي المتأزم في البلد.
يقول فخامته " إن الدعم الاجتماعي؛ بالغا ما بلغ؛ لا يمكن أن يشكل بمفرده حلا مستديما لمشكل الفقر والهشاشة والغبن والإقصاء، بل لا بد أن يواكبه عمل جاد وناجع في معالجة الأسباب الرئيسية"؛ انتهى الاقتباس الثاني.
وفي هذه المرحلة من حرصه على تغيير واقع الفئات الهشة والمغبونة لا يقتصر الأمر هنا على الاعتراف الرسمي للدولة بأحداث الغبن والحيف المريرة أو إعلان الإرادة السياسية الجادة للقضاء على ذلك الواقع المأسوف عليه؛ بل يضيف رئيس الجمهورية؛ عنصرا جديدا إلى تركيبة التمييز الإيجابي.
فبينما ينفي أن تكون هذه السياسات المعلنة آنفا كافية كي تشكل حلا مستديما لمشكل الفقر، والهشاشة، والغبين، والإقصاء؛ يدعو فخامته؛ إلى ما مضمونه إطلاق سياسات تمييزية موازية تعالج جوهر المشكل؛ وتقدم حلولا نهائية من شأنها إحداث النقلة الاجتماعية، والتعليمية، والاقتصادية، والسياسية وكذا في مجال الملكية العقارية وتحرير الأراضي الزراعية لمن هم في حكم الأرض لمن أحياها من افراد وأسلاف هذه الشريحة.
وحين يكون هذا هو روح وجوهر سياسات وبرامج فخامة رئيس الجمهورية في مجال إحقاق العدالة الاجتماعية في البلد؛ فما المشكلة إذا بالنسبة لبعض النخب السياسية الموالية التي تعترض على خيار فخامته؟.
أين المشكلة في إطلاق مندوبة التآزر؛ مثلا؟ وأين المشكلة في تمدد شبكات الآمان الاجتماعي التي توفر من خلالها الدولة التعليم والغذاء والمعونة والمنح الدراسية والبنى التحتية الأساسية للمواطين الأقل حظا؟؛
ألا تدخل هذه السياسات كلها تحت طائلة سياسات وبرامج التمييز الإيجابي التي يحتاجها البلد وخاصة هذه الشريحة؛ التي لا تملك اليوم أكثر من وطنيتها وإخلاصها لهذا الوطن؛ والتضحية لأجله وفي مناسبات مشهودة.
إن سياسات التمييز الإيجابي المشروطة والمضبوطة بالزمان والمكان ليست ملعقة منزوعة من فم أحد وإنما اجتهاد بشري ظرفي لتسوية اختلالات مزمنة تكبل السواد الأعظم من طاقات هذا البلد المهدورة وتمنع اطلاعهم بالأدوار المنوطة بهم على الوجه الأكمل كمواطنين أحرار يتمتعون بنفس الحقوق التي تمتع بها ويتمتع بها أشقاء لهم في ذات الوطن.
ونحن في الجمهورية الإسلامية الموريتانية ليسنا بدعا من العالم كله في مقاربة التمييز الإيجابي؛ ذلك أن الأخذ بأسباب تقليص الهوة الاجتماعية والاقتصادية بين مواطنينا وإرساء العدل هو مسؤولة وأمانة أنزلت من السماء وعلينا التمكين لها على الأرض حاكمين او محكومين.
الراجل عمر أبيليل؛ استشاري تنمية شبابية






(3)(1).jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)