رواية «العجوز المجنون والطفلة التي لم تكن جميلة» للكاتب الموريتاني

ثلاثاء, 14/04/2026 - 00:38

تتمثل الرواية «العجوز المجنون والطفلة التي لم تكن جميلة» للكاتب الموريتاني المبدع امبارك ولد بيروك، في عالَمٌ من الرموز والدلالات، ينسج فيه الواقع بخيوط الخيال، وتتماهى فيه البراءة مع الحكمة، والجنون مع الولاية.

تبدأ القصة بظهور رجل غريب ، قادم من المجهول، حافي القدمين، بثياب رثة وقبعة مهترئة، كأنه خارج من زمن آخر. يجلس عند ظل شجرة، مصحوبًا بطائر ضعيف، فيثير حيرة الأهالي: أهو مجنون أم وليّ من أولياء الله؟

و قد تزامن ظهوره مع مجيء السحاب التي طال انتظارها فتحولت الشكوك إلى يقين، و ارتفع الرجل في أعين الناس إلى مقام القداسة.

لكنه، في مفارقة لافتة، ينأى بنفسه عن هذا الاعتراف، ويختار عزلة خاصة، لا يشاركه فيها سوى طفلة مهمّشة، لم تنل حظها من التعليم ولا من نظرة المجتمع.

ومن خلال هذه العلاقة الإنسانية البسيطة والعميقة في آن، تنفتح الرواية على عوالم من الخيال والتأمل، حيث يصبح اللعب لغةً للمقاومة، والبراءة ملاذًا في وجه قسوة الواقع، في مجتمع أنهكته تقلبات الطبيعة وتحولات العصر.

غير أن هذا التوازن الهشّ لا يلبث أن يهتز، حين يكشف عابر سبيل هوية هذا “المجنون”، فإذا به شخصية معروفة، كانت لها مكانتها قبل أن تختفي عن الأنظار، لتُطرح من جديد أسئلة الهوية، والجنون، والحقيقة، والمظهر...  

بهذا الأسلوب الشاعري المشحون بالسخرية الرقيقة والغموض الشفيف، يقدّم بيروك رواية تتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان في جوهره، وتضع القارئ أمام مرآة متعددة الأوجه، يرى فيها ذاته ومجتمعه وتناقضاته. 

هذا و لا يستبعد. أن تكون القصة قد استُلهمت — ولو جزئيًا — من وقائع عاشها الكاتب أو شهدها في محروسة أطار ، حيث كان يقيم في كل حي من أحيائها رجلٌ “مجنون” بملامح ظريفة، مشبع بروح الأدب، وذاكرة تاريخية ثرية، ولمحات فلسفية عميقة… كأنما كانت حياته نفسها بذرةً لحكاية تنتظر أن تُروى...

عبد القادر ولد محمد