قراءة حول جذور النزاع العصي في الصحراء الغربية ... محمد إشريف إشريف

خميس, 12/03/2026 - 03:34

في الآونة الأخيرة، أعادت بعض الشخصيات الفكرية الموريتانية إلى الواجهة نقاش قضية مدينة الكويرة الساحلية، بل وأبعد من ذلك قضية الصحراء الغربية برمّتها. غير أن أي مقاربة رصينة لهذا الملف تقتضي ألّا يُختزل في أتون حقبة سبعينيات القرن العشرين ، لأن هذه القضية تمتد جذورها إلى أزمنة أبعد، تتشابك فيها الاعتبارات القبلية، والاندفاعات الإمبريالية، والتوسعات الاستعمارية، والحسابات الجيوسياسية . وقبل أن يصبح هذا المجال موضع تنازع بين القوى العظمى، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا، لم يكن أرضاً سائبة ولا فضاءً مستباح، بل كان مجالاً عامراً بحضارات بشرية ضاربة في القدم، تعبره القوافل المحملة بالبضائع، وتنتظم فيه مسالك الترحال، وتتشابك داخله روابط النسب والولاءات الدينية، كما عرف، بحسب الأزمنة والظروف، تحالفات قبلية حيناً ونزاعات وصراعات قبلية حيناً آخر. وقد شكّلت النزاعات التي اندلعت بين الرقيبات وأولاد دليم سنة 1881، ثم بين الرقيبات وأولاد غيلان سنة 1899، وكذلك بين الرقيبات وأولاد بسبع في العام نفسه، دليلاً واضحاً على وجود نظام سياسي محلي قائم بذاته في تلك الربوع. فمفهوم السلطة هناك لم يكن مستنداً إلى سيادة مركزية على النحو الذي تعرفه الدولة الحديثة، بل كان يتشكل من توازنات النفوذ بين القبائل، ومن موازين القوة القائمة، ومن الأعراف والتقاليد القبلية التي حكمت تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية في ذلك الفضاء الصحراوي الشاسع.
يرجع الاهتمام الإسباني بهذه الواجهة الأطلسية إلى زمن مبكر. ففي سنة 1476 أقام دييغو غارسيا دي هيريرا في موقع سانتا كروز دي مار بيكيّينا، المعروف اليوم بـ سيدي إفني، برجاً حصيناً كان الهدف منه مراقبة الملاحة البحرية وتأمين طرق الإبحار بين جزر الكناري والساحل الإفريقي. غير أن هذا الحضور الأجنبى لم يدم طويلاً أمام مقاومة السكان المحليين؛ إذ قامت قبائل صحراوية سنة 1524 بتدمير ذلك المنشأ، منهية بذلك أول محاولة إسبانية للاستقرار في المنطقة. ومنذ ذلك الحين ظل المجال الصحراوي، على امتداد قرون، بعيداً عن أي سيطرة استعمارية فعلية، إذ لم تتجاوز مصالح إسبانيا، كما هو حال بقية القوى الأوروبية آنذاك حدود الملاحة في المياه الإقليمية، دون قدرة حقيقية على بسط النفوذ داخل عمق الإقليم.
غير أنّ الأوضاع شهدت تحوّلاً جذرياً في أواخر القرن التاسع عشر مع تصاعد النزعة الإمبريالية الأوروبية وسعي القوى الاستعمارية إلى اقتسام القارة الإفريقية. وقد شكّل مؤتمر برلين المنعقد في نوفمبر 1884 منعطفاً حاسماً في هذا المسار. وفي خضم أجواء التنافس الاستعماري المحموم، سعت إسبانيا إلى إضفاء طابع عملي على مطالبها في الساحل الصحراوي.
وفي هذا السياق، أسّس إنريكي بونيلي إيرناندو في العام نفسه مركزاً تجارياً في ريو دي أورو، الذي سيعرف لاحقاً باسم فيلا سيسنيروس، أي الداخلة في تسميتها الحالية. وقد جاء إنشاء هذا المركز بعد أن سعت إسبانيا إلى الحصول على ترخيص رسمي من أمير آدرار أحمد ولد أمحمد ولد أحمد عيدة لإقامة هذا المركز التجاري. فتمّ توقيع معاهدة في 28 نوفمبر 1884 خوّلت لإسبانيا إنشاء مركز تجاري في الداخلة.
وقد اكتسب هذا الاتفاق لاحقاً أهمية خاصة، إذ استُحضر بوصفه دليلاً على وجود رابطة قانونية وسياسية بين المجال الصحراوي والكيان الموريتاني المتمثل في إمارة آدرار. كما أنّ هذه المعاهدة تكشف بوضوح أنّ إسبانيا لم تدخل أرضاً خالية من التنظيم السياسي، بل وجدت نفسها مضطرة إلى التفاهم مع سلطة محلية قائمة ومعترف بها، الأمر الذي يعكس وجود بنية سياسية واجتماعية فاعلة في المنطقة قبل التوغل الاستعماري.
ولم يكن هذا الحضور الاستعماري يسيراً أو مستقراً، بل ظل محفوفاً بالمخاطر والتحديات. فمنذ سنة 1885 تعرّضت منشآت فيلا سيسنيروس لهجمات متكررة شنّتها مجموعات قبلية صحراوية قادمة من عمق الصحراء الغربية . ومع مرور الوقت أثار التوسع الإسباني ردّ فعل متزايداً من قبائل الشمال، التي عمدت إلى تعليق كثير من نزاعاتها الداخلية من أجل مواجهة المستعمر وتوحيد صفوفها في مقاومة وجوده.
فقد شاركت قبائل أولاد دليم، والرقيبات، وأولاد بسبع، والعروسيين، وأولاد لاب، وأولاد غيلان، والكَرَعْ، وتكنة وغيرها في حركة مقاومة متواصلة ضد الوجود الإسباني. وكانت الهجمات التي استهدفت فيلا سيسنيروس سنتي 1889 و1894 من أبرز الشواهد على شدة تلك المقاومة المسلحة .
حتى المحاولات الإسبانية الرامية إلى إقامة استيطان بشري دائم في المنطقة لم تحقق النجاح المنشود؛ إذ أقدمت السلطات سنة 1897 على جلب مستوطنين من إقليم كتالونيا إلى الصحراء الغربية بهدف إعمارها وترسيخ وجودها هناك، غير أن هذه الخطوة لم تفلح في كسر العداء الشديد الذي أبداه السكان المحليون تجاه الوجود الاستعماري.
ومع مطلع القرن العشرين برزت في المنطقة شخصية أضفت عليها عمقاً دينياً وسياسياً استثنائياً، وهي شخصية الشيخ ماء العينين. فقد وُلد هذا الشيخ الشريف والولي الصالح في أحد مضارب البدو بمنطقة باريبافات، الواقعة على مسافة تقارب أربعين كيلومتراً جنوب-غرب مدينة النعمة في الحوض الشرقى الموريتاني. وهو نجل العالم الجليل الشيخ محمد فاضل ولد مامين (1797-1869)، الذي عُرف بمكانته العلمية والروحية في منطقة الحوض، وكان مؤسس الطريقة الفاضلية، وهي فرع من الطريقة القادرية.
وقد عرفت هذه الطريقة انتشاراً واسعاً في المجال الموريتاني والصحراوي، وامتد تأثيرها إلى أجزاء واسعة من غرب إفريقيا، وظلت إلى اليوم من الطرق الصوفية ذات الحضور المعتبر في تلك الأوساط. وفي هذا السياق الروحي والعلمي ترعرع الشيخ ماء العينين، قبل أن يتحول لاحقاً إلى واحد من أبرز الرموز الدينية والسياسية في الصحراء، ومن أعظم الشخصيات التي قادت حركات المقاومة ضد التوغل الاستعماري في الفضاء الصحراوي.
ومع ظهور الشيخ ماء العينين بدأت المقاومة مرحلة جديدة حاسمة. ففي سنة 1898 أسّس السمارة، وجعلها مركز روحي وزاوية علمية تُدرس فيها أسس الدين الإسلامي الحنيف، وقلعة من قلاع المقاومة في مواجهة الأطماع الفرنسية والإسبانية. وفي سنة 1905 قاد هجوماً على موقع فرنسي في مدينة تيزنيت في جهة سوس ماسة ، وهي وحادثة ساهمت في تأجيج مقاومة مسلحة امتدت قرابة ثلاثة عقود. وفي سنة 1907 تحصل الشيخ على أسلحة نارية عبر الساحل الأطلسي، فتعززت قدرة أنصاره ومريديه على التعبئة للمقاومة . وبعدها بأيام نشرت السلطات الإسبانية مرسوماً يمنع استيراد الأسلحة النارية والذخيرة الحية إلى الصحراء الغربية، وهو ما يعكس حجم القلق الذي أثارته شدة المقاومة. ومنذ سنة 1908 توالت عمليات أنصار ومريدي الشيخ ماء العينين، ولا سيما ضد القوافل الفرنسية المارة في المنطقة. وبلغ هذا المسار ذروته سنة 1913 حين شنّ مقاتلون من قبيلة الرقيبات هجوماً على معسكر فرنسي، بما يجسد استمرار المقاومة الصحراوية وتنظيمها المتزايد في وجه الحضور الاستعماري.
وقد احتلت سيرة الشيخ ماء العينين حيزا كبيرا من المرافعة التي قدمتها موريتانيا أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975 بخصوص نزاع الصحراء. وكان الوفد الموريتاني يقوده السفير محمد ولد مولود ولد داداه، إلى جانب السفير مولاي الحسن، الممثل الدائم لموريتانيا لدى منظمة الأمم المتحدة، ويدالي ولد الشيخ، الأمين العام المساعد لرئاسة الجمهورية، فضلاً عن القانوني جان سالمون، أستاذ القانون بكلية الحقوق في جامعة بروكسل الحرة.
وهنالك يجدر بالذكر التطرق لحادثة مشهورة : ففي الليلة السابقة لمداخلته أمام المحكمة، اختفى النص الذي أعده محمد ولد مولود ولد داداه في ظروف بقيت غامضة. وحين حُرم من نصه المكتوب، اضطر إلى الارتجال. لكنه، بما عُرف عنه من رباطة جأش وسعة علم، ألقى مرافعة شفهية بلغت من الدقة مبلغاً كبيراً، وأثارت إعجاب عدد كبير من المراقبين وأصدقاء المغرب، الذين حضروا للمداولات في لاهاي، بما فيهم القانونيون الذين أعجبوا بالحجج الدامغة.
وهكذا تبين أن أطروحة المغرب المبنية على شخصية الشيخ ماء العينين، للبرهنة على مغربية الصحراء، هشة للغاية، أمام المعطيات المفصلة بإسهاب، والموثقة، التي قدمها الطرف الموريتاني.
وقد أكد محمد ولد مولود أن الشيخ ماء العينين هو ابن الشيخ محمد فاضل من قبيلة القلاقمة فخذ من قبيلة أهل الطالب المختار.. وُلِد في أقصى الشرق الموريتاني، وعاش في المغرب الثلث الأخير من عمره.. جاءه لا ليقدم البيعة، ولكن ليحيي العقيدة، والتعاليم الإسلامية. ولأنه من أكبر علماء وقته، وكان له إشعاع من آدرار إلى مراكش، ومريدون كثر من الناس البسطاء، ومن كبار رجالات عصره. لذلك تمَّ اختيار ولده الشيخ محمد الهيبة، سلطاناً على المغرب، في فترة عرفت فيها السلطنة ضعفاً شديداً، بداية القرن العشرين. لم يكن الشيخ محمد الهيبة خبيراً في السياسة، لذلك لم يستطع جمع المغاربة حول شخصيته؛ فتمت تنحيته من الحكم بعد ثلاثة أسابيع فقط. وظهرت بوضوح هشاشة الدولة المغربية المضطربة، ممّا حال بينها وبين تكوين قوة عسكرية لها وزن، لصد الأطماع الأجنبية، ولاسيما الإسبانية، وأكثر من ذلك الفرنسية. وأدى هذا، ودون أية صعوبة، إلى فرض الوصاية الفرنسية على المغرب.
وقبل ذلك، كانت القوى الاستعمارية تواصل إعادة رسم خريطة المنطقة وفقاً لمصالحها وأجنداتها الخاصة. ففي سنة 1900 حدّدت اتفاقية فرنسية-إسبانية حدود مناطق النفوذ بين الطرفين على امتداد الساحل الصحراوي. ثم جاء تقسيم أكثر تحديداً سنة 1912، حيث أصبحت بورت إتيان – أي نواذيبو الحالية – ضمن المجال الخاضع للإدارة الفرنسية، في حين أُلحقت مدينة الكويرة وريو دي أورو- وادي الذهب بالمنطقة التي وضعت تحت السيطرة الإسبانية.
غير أن هذا التقسيم لم يكن سوى ترسيم استعماري مصطنع فصل بين مجالات جغرافية متجاورة كانت تسكنها القبائل نفسها وتربط بينها علاقات تاريخية واجتماعية عميقة. وقد زاد من وضوح هذا الطابع الاعتباطي أن الكويرة لا تبعد سوى أميال عن بورت إتيان، الأمر الذي جعل هذا الخط الفاصل يبدو منفصلاً عن أي منطق اجتماعي أو تاريخي، ومعبّراً قبل كل شيء عن منطق التقسيم الاستعماري الارتجالي لا عن واقع المنطقة وسكانها.
وكان الاهتمام الإسباني بمدينة الكويرة يتزايد تدريجياً مع مرور الزمن. فموقعها الجغرافي، المطل على واجهة بحرية استراتيجية وقريبها المباشر من ميناء بورت إتيان - نواذيبو ، جعلها منطقة ذات أهمية كبيرة، إذ كان يمكن أن تتحول إلى قطب رئيسي للصيد البحري ومركز لمراقبة الحركة البحرية على طول الساحل الأطلسي.
وفي سنة 1919 قامت إسبانيا باحتلال الكويرة رسمياً بقيادة الحاكم العسكري فرانسيسكو بينس أرقندونيا. وعلى الرغم من تواضع الوجود العسكري الإسباني في البداية، فإن طبيعة الحامية كانت ذات دلالة واضحة؛ إذ ضمّت ضابطين ساميين، وملازماً طبيباً، ورقيباً، وعدداً من ضباط الصف، إضافة إلى ستة وأربعين جندياً.
ومع مرور الوقت أصبحت الكويرة تؤدي عدة وظائف في آن واحد: فهي مركز عسكري إسباني متقدم، ونقطة ارتكاز لمراقبة جنوب الإقليم، كما تحولت تدريجياً إلى نقطة نشاط اقتصادي مرتبطة بالأنشطة البحرية والصيد. وقد تعززت هذه المكانة خلال العقود اللاحقة عبر إنشاء منشآت إدارية جديدة، وزيادة عدد الضباط، وتنظيم الملكية العقارية، وتطور الأنشطة البحرية بصورة تدريجية.
وهكذا لم تكن الكويرة مجرد موقع معزول على أطراف الصحراء، بل غدت عنصراً مهماً في الجغرافيا الاستراتيجية للصحراء الإسبانية، بما تمثله من موقع استراتيجي يطل على طرق الملاحة ويجاور أحد أهم الموانئ في المنطقة.
وبعد الحرب العالمية الثانية شرعت إسبانيا في تعزيز قبضتها الإدارية على الإقليم. ففي سنة 1958 حُوِّلت الصحراء رسمياً إلى مقاطعة إسبانية، وهو تحول قانوني رافقه توسّع تدريجي في البنية التحتية وتعاظم في الحضور الإداري والعسكري للإدارة الاستعمارية.
كما ازدادت أهمية الإقليم بصورة ملحوظة بعد اكتشاف كميات كبيرة من الفوسفات في مناجم بوكراع، إذ لم يعد يُنظر إلى الصحراء بوصفها مجرد امتداد ساحلي أو حيازة رمزية، بل باعتبارها إقليماً غنياً بالموارد الطبيعية وذا قيمة اقتصادية متزايدة. وقد تعززت هذه الأهمية كذلك بما تم تسجيله على الساحل من مؤشرات نفطية واعدة، فضلاً عن تربع المنطقة على أهم وأغنى حوض سمكي في إفريقيا .
وهكذا تحولت القضية الصحراوية تدريجياً من مجرد مسألة تصفية استعمار إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية كبرى، تتداخل فيها مصالح الدول والقوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق ينبغي فهم التدخل الموريتاني في القضية الصحراوية. فبحسب مذكرات أحد أبرز المثقفين والفاعلين السياسيين في تلك المرحلة، محمد عالي شريف، الأمين العام لرئاسة الجمهورية الموريتانية من سنة 1968 إلى غاية انقلاب يوليو 1978 ، فقد وقع حدث تأسيسي مهم يوم 1 يوليو 1957 حين ألقى المختار ولد داداه في مدينة أطار خطاباً تاريخياً.
ويؤكد محمد عالي شريف في مذكراته الطابع الاستثنائي لذلك الخطاب. فقد جاء في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد: إذ لم يكن قد مضى سوى عام واحد على استقلال المغرب، ونحو سنتين ونصف على اندلاع حرب التحرير الجزائرية، وثلاثة أشهر فقط على بدء التطبيق الفعلي لـ قانون الإطارى - ديفير الذي أعاد تنظيم الإدارة الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا.
أما موريتانيا آنذاك فكانت لا تزال إقليماً في طور التشكّل السياسي، يخضع بدرجة كبيرة لسلطة الإدارة الاستعمارية الفرنسية. وكانت عاصمتها الإدارية ما تزال أندار أي سان لويس الموجودة حاليآ في السنغال، في حين احتفظت الإدارة الفرنسية بمعظم أدوات القرار السياسي والإداري .
وفي مثل هذا السياق، كان انتقال المختار ولد داداه إلى مدينة أطار لإلقاء خطاب يتضمن الإشارة إلى ما سيُعرف لاحقاً بفكرة إعادة توحيد موريتانيا مع الصحراء الإسبانية خطوة سياسية ذات دلالة عميقة. ولم يكن اختيار أطار اعتباطياً؛ فهذه المدينة كانت تمثل الحد الجنوبي للصحراء الغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية، وكان إلقاء خطاب بهذا المضمون في هذا المكان بمثابة إعلان رمزي عن وجود عمق موريتاني تاريخي واجتماعي في ذلك الفضاء الصحراوي.
ويذكر محمد عالي شريف في مذكراته أن موريتانيا كانت، في تلك المرحلة، تملك وسائل محدودة للغاية. فلم يكن في البلاد آنذاك سوى أقل من خمسة جامعيين أكملوا دراستهم العليا، كما كانت الأجهزة الإدارية ما تزال في مراحلها الأولى من التشكّل، الأمر الذي جعل أي تعبير سياسي عن قضية بهذه الحساسية يبدو أقرب إلى فعلٍ ينطوي على قدر كبير من الجرأة والتحدي.
ومع ذلك، فإن ذلك الخطاب وضع منذ تلك اللحظة أسس فكرة الاستمرارية التاريخية بين المجال الموريتاني والصحراء. ويرى محمد عالي شريف أن هذه الاستمرارية لم تكن تصوراً مصطنعاً أو خطاباً سياسياً عابراً، بل كانت تستند إلى إدراك تاريخي عميق لوجود فضاء اجتماعي وثقافي مشترك يمتد من وادي درعة شمالاً إلى ضفاف نهر السنغال جنوباً، ومن الساحل الأطلسي غرباً إلى إقليم أزواد شرقاً.
وفي هذا الفضاء الواسع، لم تكن الحدود الاستعمارية في نظر السكان سوى خطوط مجردة مرسومة على الخرائط، في حين أن الحدود الحقيقية كانت تتحدد عبر مجالات القبائل ومسارات الترحال، والآبار التي تشكل نقاط الحياة في الصحراء، والمقابر التي تحفظ ذاكرة الجماعات البشرية عبر الأجيال.
وبحسب ما يورده محمد عالي شريف في مذكراته، فإن القضية الصحراوية لم تتحول إلى موضوع اهتمام فعلي للسلطات الموريتانية ولا إلى محور نقاش منظم داخل النخبة السياسية والفكرية في البلاد إلا ابتداءً من سنتي 1968–1969. ويشير في هذا السياق إلى عشاءين نظمهما الرئيس المختار ولد داداه جمع خلالهما عدداً من الجامعيين الموريتانيين، قبل أن يُعقد لاحقاً اجتماع أوسع للأطر الوطنية ضم الجامعيين إلى جانب قيادات حزب الشعب الموريتاني.
وخلال تلك اللقاءات فُتحت نقاشات مطوّلة حول تطورات الملف الصحراوي ومكانته في السياسة الموريتانية. ويستحضر محمد عالي شريف من بين الأطر التي حضرت تلك الاجتماعات أسماء مثل محمدن ولد بابّاه، وأحمد ولد سيدي باب، وأحمدو ولد عبد الله، وعبد الله ولد اسويد أحمد، وسيدي ولد الشيخ عبد الله. كما شارك من جانب القيادة السياسية كل من أحمد ولد محمد صالح، ومحمد الأمين ولد حمّني، وأعل ولد علاّف، وصال عبد العزيز، والشيخ سعدبوه كان، وحمود ولد عبد الودود، وعبد الله ولد الشيخ، وبارو عبدولاي، وبا عبد العزيز، وبيتي با.
وقد كشفت هذه النقاشات عن جملة من التوجهات الأساسية التي بدأت تتبلور آنذاك داخل النخبة الموريتانية، من بينها: ضرورة المتابعة الدائمة لتطورات الأوضاع في الإقليم الصحراوي؛ إحياء الصلات والروابط مع أعيان القبائل الصحراوية وشخصياتها المؤثرة؛ التفكير في إنشاء خلية خاصة على مستوى رئاسة الجمهورية أو وزارة الداخلية لمتابعة الملف؛ والعمل على طرح قضية تصفية الاستعمار في الصحراء بقدر أكبر من الحزم على الساحة الدولية.
ويؤكد محمد عالي شريف في مذكراته على نقطة جوهرية تتعلق بتلك المرحلة، وهي أن أي تصور لحل عسكري لم يكن مطروحاً داخل القيادة الموريتانية آنذاك. فقد كان كل من المختار ولد داداه، وأحمد ولد محمد صالح، ومحمد الأمين ولد حمني يدركون إدراكاً تاماً محدودية الإمكانات العسكرية لموريتانيا وضعف قدراتها في مواجهة تعقيدات قضية بهذا الحجم.
ولهذا السبب كان التوجه الغالب داخل دوائر صنع القرار في نواكشوط يقوم على نهج حذر يقوم على الدبلوماسية والعمل السياسي. فقد رأت القيادة الموريتانية ضرورة الحفاظ على قنوات التعاون مع إسبانيا بوصفها القوة الإدارية القائمة في الإقليم آنذاك، مع الدفاع بثبات عن الموقف الموريتاني في المحافل الإفريقية والدولية، ولا سيما في إطار قرارات الأمم المتحدة وتوصيات منظمة الوحدة الإفريقية.
وفي موازاة ذلك، جرى التفكير في تعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية مع سكان الإقليم الصحراوي. ومن بين المقترحات التي نوقشت آنذاك إرسال معلمين إلى الكتاتيب الدينية، وقضاة شرعيين، ومعلمين تقليديين من ذوي الكفاءة إلى الصحراء الغربية، مع التكفل برواتبهم ونفقاتهم، وذلك بهدف الحفاظ على حضور موريتاني مؤثر داخل المجتمعات المحلية وترسيخ الروابط الثقافية والدينية التي كانت قائمة تاريخياً بين سكان الصحراء والمجال الموريتاني.
وهكذا ظلّت القضية الصحراوية، حتى مطلع السبعينيات، في نظر محمد عالي شريف، في طوراللجلجة. ففي تلك الفترة كانت الأمم المتحدة تصدر قرارات تدعو إسبانيا إلى تسريع مسار تصفية الاستعمار في الإقليم، وغالباً ما كانت هذه القرارات تُصاغ في إطار نوع من التوافق بين موريتانيا والمغرب والجزائر.
وقد ساهم اعتراف المغرب بموريتانيا سنة 1969 في خلق مناخ من التقارب السياسي بين البلدين، تُوِّج بعقد القمة الثلاثية في نواذيبو في سبتمبر 1970، التي جمعت بين هواري بومدين، والحسن الثاني، والمختار ولد داداه. ثم جاء بعد ذلك، في يونيو 1972 بالرباط، ما عُرف بـ الاتفاق السري لتقاسم الصحراء بين موريتانيا والمغرب، بحضور وموافقة صريحة من الرئيس الجزائري هواري بومدين.
وفي ظل هذا المناخ السياسي، بدأ كل طرف يعمل على ترتيب أوراقه داخل الساحة الصحراوية. فقد سعى المغرب إلى إعادة تنشيط بعض شبكات الاتصال داخل الإقليم، والتواصل مع شخصيات صحراوية أعلنت ولاءها للملك. وفي المقابل قامت موريتانيا بتنظيم لقاءات قبلية في ازويرات وافديرك وأطار ونواذيبو بهدف تنسيق المواقف وتعبئة القبائل حول فكرة حركة تحرير تنتهي بالالتحاق بما اعتُبر آنذاك «الوطن الأم» الموريتاني.
أما الجزائر فقد دفعت، في الاتجاه الآخر، نحو تشكيل النواة الأولى لما سيصبح لاحقاً جبهة البوليساريو، وهي تنظيم عسكري نشأ في أوساط شباب متحمّسين ، اتسم نشاطهم بدرجة عالية من السرية والتنظيم.
ومنذ تلك اللحظة بدأت العلاقات بين دول الجوار تتجه نحو التوتر والتدهور. فقد ساهم تراجع المغرب عن التصديق على معاهدة الحدود مع الجزائر في تعميق الأزمة بين البلدين خلال الفترة الممتدة بين 1971 و 1974، الأمر الذي أدى إلى تدهور ملحوظ في العلاقات الجزائرية-المغربية. أما الجزائر، التي كانت قد دعمت في البداية فكرة التوصل إلى حل توافقي بين الأطراف المعنية، فقد أخذ موقفها يتحول تدريجياً نحو اتجاه مغاير.
وفي المقابل أعلنت إسبانيا سنة 1974 عزمها تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الإقليم، وهو ما أدى إلى نقل القضية إلى محكمة العدل الدولية. وفي سنة 1975 صدر الرأي الاستشاري للمحكمة الذي خلص إلى حقيقتين أساسيتين: الأولى أن الصحراء لم تكن أرضاً خلاء عند بداية الاستعمار، والثانية أن هناك روابط قانونية وتاريخية تربط الإقليم بكل من المغرب والكيان الموريتاني.
غير أن المحكمة أكدت في الوقت ذاته، وبصورة واضحة، أن هذه الروابط لا تمس إطلاقاً مبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي. ولم يؤد هذا الحكم إلى إنهاء الخلاف، بل كشف على العكس من ذلك صعوبة التوافق بين المطالب والادعاءات المتعارضة للأطراف المعنية.
وفي هذا السياق المتوتر أخذت التناقضات في الموقف المغربي – كما يشير إليها محمد عالي شريف في مذكراته – تظهر بجلاء. فقد كان المغرب يسعى إلى تعظيم فرصه السياسية والدبلوماسية عبر التفاوض أحياناً بصورة منفردة مع إسبانيا، كما حاول تقديم نفسه أمام الأمم المتحدة باعتباره الطرف الرئيسي، بل الحصري أحياناً، في معالجة قضية الصحراء، فضلاً عن اتخاذ مبادرات أحادية دون التشاور مع الأطراف المعنية، خاصة في منطقة الداخلة.
وعلى الرغم من المستوى الرفيع للفريق القانوني الذي حشدته الرباط للدفاع عن موقفها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي – ومن بينهم مجيد بنجلون الوكيل العام لدى محكمة النقض المغربية، وجورج فيدال العميد الفخري لكلية الحقوق بباريس، ورينيه-جان دوبوي أستاذ القانون بجامعة نيس وعضو معهد القانون الدولي، ومحمد بنونة أستاذ القانون بكلية الحقوق في الرباط، وبول إيزوار أستاذ القانون بجامعة نيس – فإن الأطروحة المغربية القائلة بـ مغربية الصحراء تعرضت، بحسب محمد عالي شريف، لاهتزاز ملحوظ أمام متانة الحجج التي قدمها الجانب الموريتاني.
وفي ضوء هذا الوضع، اضطر الملك الحسن الثاني إلى الدعوة إلى مزيد من التنسيق بين الموقفين المغربي والموريتاني، تفادياً لحدوث تباين سياسي وقانوني بين أطروحتين ظلّتا، في ظاهر الأمر، تسيران في إطار تحالف سياسي مشترك.
ومع احتدام الأزمة الصحراوية أخذت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تولي اهتماماً متزايداً بتطورات الملف. وفي هذا السياق أُعدّ تقرير سري لوكالة المخابرات المركزية (CIA) مؤرخ في 7 فبراير 1975، خُصص لتحليل تطور العلاقات بين المغرب وإسبانيا حول الصحراء الإسبانية، وقد رسم صورة دالة على طبيعة الحسابات السياسية التي كانت تجري آنذاك.
وأشار التقرير إلى أن قضية الصحراء كانت تمثل بالنسبة إلى الملك الحسن الثاني رافعة سياسية ذات أهمية مصيرية، قادرة على تعزيز مكانته السياسية. ووفقاً لهذا التحليل، بدا أن النجاح الشخصي للملك في إدارة ملف تصفية الاستعمار في الصحراء الإسبانية قد يشكل إحدى أكثر مبادرات حكمه شعبية، رغم أن تطور القضية ظل معلقاً على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية التي كانت جلساتها ستنطلق بعد أسابيع قليلة.
وفي مطلع أكتوبر 1975 ازداد اهتمام واشنطن بتطورات الوضع. فقد أبلغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام كولبي وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بما رجّحه من نوايا الرباط في الأسابيع المقبلة، في سياق اتسم بصدور خلاصات غير مواتية عن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، فضلاً عن مؤشرات غير مشجعة كانت تلوح في كواليس مداولات محكمة العدل الدولية.
وفي تلك المراسلة السرية أشار كولبي إلى وجود تقرير تحليلي أكثر تفصيلاً بعنوان: خطط المغرب لغزو الصحراء، يتناول التداعيات العسكرية والسياسية المحتملة لأي مواجهة حول الإقليم.
وقد سعى التقرير إلى تقييم السيناريوهات الممكنة والمخاطر التي قد تترتب عليها بالنسبة إلى مختلف الأطراف المعنية، وهي إسبانيا والمغرب وموريتانيا والجزائر. وخلص إلى عدد من الاستنتاجات الاستراتيجية، من أبرزها:
أولاً: إذا قرر الجيش الإسباني الحفاظ على وجوده في الصحراء بصورة مستمرة، فإن احتمال اندلاع نزاع واسع النطاق سيصبح مرتفعاً.
ثانياً: إن فشل المغرب في استعادة الإقليم قد يؤدي إلى تداعيات سياسية خطيرة في الرباط قد تصل إلى زعزعة استقرار النظام الملكي.
وفي المقابل، فإن حرباً طويلة تتكبد فيها القوات الإسبانية خسائر كبيرة قد تفضي إلى أزمة سياسية داخلية في مدريد، التي كانت تعيش أصلاً حالة هشاشة بسبب الوضع الصحي المتدهور للجنرال فرانكو واقتراب نهاية حكمه.
كما أشار التقرير إلى احتمال اتساع نطاق الصراع، خصوصاً إذا قررت الجزائر التدخل المباشر، وهو ما كان سيحول أزمة تصفية استعمار إلى مواجهة إقليمية واسعة في المغرب العربي. أما موريتانيا، فعلى الرغم من مطالبتها بنصيب من الصحراء الإسبانية، فقد قدّر التحليل الاستخباراتي الأمريكي أنها ستكون على الأرجح الطرف الأكثر حذراً، الساعي قبل كل شيء إلى تجنب الانخراط المباشر في حرب طويلة ومكلفة.
كما أُعدّ تقرير سري ثانٍ لوكالة المخابرات المركزية (CIA) مؤرخ في 10 فبراير 1975، أشار إلى حصول تبادل مهم بين وزير الخارجية الإسباني بيدرو كورتينا والسفير الأمريكي في مدريد ويلز ستابلر. وخلال تلك المحادثة عبّر السفير الأمريكي عن قلق واشنطن من العواقب التي قد تترتب على انسحاب إسباني متسرع من الإقليم الصحراوي، وعلى رأسها احتمال اندلاع نزاع إقليمي واسع قد تنخرط فيه الدول المجاورة.
وقد أقرّ بيدرو كورتينا بأن هذه المسألة تمثل بالفعل أحد أبرز هواجس الحكومة الإسبانية. وأوضح أن مدريد تسعى، قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبل الإقليم، إلى التوصل إلى تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية، معرباً في الوقت ذاته عن أمل إسبانيا في الاستفادة من التعاون الدبلوماسي الأمريكي في هذا المسار. كما أبدى رئيس الدبلوماسية الإسبانية خلال هذا اللقاء قلقاً واضحاً بشأن مصير السكان الصحراويين، مدركاً أن أي قرار متسرع قد يفضي إلى تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة.
غير أن مسؤولاً إسبانياً آخر قدّم، بعد أسابيع قليلة، تقييماً مختلفاً. ففي أواخر فبراير صرّح الجنرال إدواردو بلانكو، المدير العام لما كان يعرف بـ ترقية الصحراء، للسفير الأمريكي نفسه بأن خيار استقلال الإقليم لم يعد عملياً قابلاً للاستمرار، وأنه بات من الضروري لإسبانيا التوصل إلى اتفاق مباشر مع المغرب بشأن مستقبل الصحراء.
وقد بدا هذا الموقف مختلفاً بوضوح عن التحفظ والحذر اللذين كان قد عبّر عنهما بيدرو كورتينا في وقت سابق. وتكشف هذه المراسلات الدبلوماسية، بجلاء، حجم التباين في التقديرات داخل دوائر السلطة الإسبانية نفسها إزاء المسألة المرتبطة بتصفية الاستعمار في الصحراء. فلم تكن الدولة الإسبانية تمتلك رؤية سياسية موحّدة بشأن الكيفية التي ينبغي أن يتم بها تنظيم انسحابها من الإقليم.
وفي مدريد كانت بالفعل تُناقش عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصحراء. فقد كان بعض المسؤولين يميلون إلى خيار منح الإقليم الاستقلال بعد تنظيم استفتاء لتقرير المصير، انسجاماً مع المبادئ التي كانت الأمم المتحدة تدافع عنها في قضايا تصفية الاستعمار. وفي المقابل كان آخرون يدرسون إمكانية التوصل إلى اتفاق مع جبهة البوليساريو، التي بدأت تفرض نفسها تدريجياً فاعلاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاهله .
أما السيناريو الثالث فكان يقوم على نقل الإقليم إلى دولة أو أكثر من الدول المجاورة، ولا سيما المغرب أو موريتانيا، بل إن بعض التصورات كانت تذهب أبعد من ذلك، فتتحدث عن صيغة أكثر تعقيداً يمكن أن تشارك فيها عدة أطراف إقليمية ضمن ترتيب سياسي مشترك.
وفي 28 أبريل 1975 أعلن الملك الحسن الثاني عبر إذاعة فرانس أنتير الفرنسية أنه سيكون في مقدمة شعبه شخصياً، مضيفاً أن هذا الملف إذا كان له أن يجد حلاً، فلن يكون إلا لصالح المغرب .وقد تناقلت الصحافة الإسبانية هذه التصريحات في اليوم التالي على نطاق واسع.
ومع ذلك كتب الوزير الإسباني أنطونيو كارو لاحقاً أن نية الحسن الثاني إطلاق مبادرة المسيرة الخضراء جاءت بالنسبة إلى إسبانيا مفاجأة بل وستشمل تهديداً للأمن القومي . غير أن هذا القول يبدو غير منسجما مع ما كانت قد نشرته الصحافة آنذاك من معلومات، خاصة في مقال بعنوان رد إسباني قوي على تصريحات الحسن الثاني، والذي أعاد نشر الرد الذي بعث به خايمي دي بينييس، الممثل الدائم لإسبانيا لدى الأمم المتحدة، إلى الأمين العام للمنظمة.
وكانت المذكرة الموجهة إلى الرباط تتضمن إشارة لافتة جاء فيها: يمكن تنظيم المسيرة بعد شهرين ، وسوف يُقدَّم لها كل ما يلزم من مساعدة.
وبحسب المؤرخ دييغو أغويري فقد أعيد نشر هذه المعلومة في عدد من المنشورات ، وإن لم يحدد هو اسم أي منها للتحقق من مصدرها بدقة. أما الباحث باول فقد تبنى موقفاً أكثر حذراً؛ إذ رأى، استناداً إلى الوثائق القنصلية المتاحة، أن المشاركة الأمريكية في المسيرة الخضراء ليست مؤكدة بشكل قاطع، لكنه لم يستبعدها تماماً.
ومع ذلك يلفت الانتباه عنصر مهم في تلك المرحلة، وهو وجود فيرنون والترز، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA والضابط السابق في الجيش الأمريكي، في الرباط آنذاك. ووفقاً لباول، فقد كانت تربط والترز بالملك الحسن الثاني علاقة صداقة قديمة تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر بالغ الأهمية يتعلق باستقرار العرش المغربي نفسه. فبحسب ما أورده الجنرال غوتييريث ميلادو، القائد العام لمدينة سبتة ومندوب الحكومة الإسبانية فيها، فإن الحسن الثاني كان قد ذهب بعيداً في رهانه السياسي ووضع نفسه في وضع لم يعد يسمح له إلا بتحقيق نجاح، ولو جزئي. فالفشل في هذا الملف، بحسب تقديره، كان قد يعرض ليس فقط عرشه بل ربما حياته الشخصية أيضاً للخطر.
وقد أدلى الجنرال بهذه التصريحات خلال صيف 1975، بما يوحي بأن تحركات الملك ينبغي فهمها في إطار محاولة لعب " الورقة المغربية" إلى أقصى حد، مهما كانت التبعات السياسية والاستراتيجية المترتبة على ذلك.
وفي أغسطس 1975 فاجأ الملك الحسن الثاني الرأي العام بسلسلة من التصريحات الجديدة أكد فيها عزمه الاستيلاء على الصحراء — أو " تحريرها" بحسب تعبيره — بصرف النظر عن منطوق الحكم الذي ستصدره محكمة العدل الدولية.
ثم جاء المنعطف الحاسم. ففي 6 نوفمبر 1975 أطلق الحسن الثاني مناورة سياسية وتكتيكية بالغة الجرأة تمثلت في تنظيم المسيرة الخضراء، بدعم أمريكي غير معلن، مع تعبئة ما يقارب 350 ألف مدني مغربي. وقد دخلت المسيرة بالفعل إلى الإقليم الذي كان خاضعاً للإدارة الإسبانية، وتقدمت على جبهة يبلغ عرضها نحو 800 متر وعمق يقارب كيلومترين. وتمركزت سيارات الدرك الملكي المغربي في الطليعة لتفادي اقتراب الحشود من حقول الألغام، فيما كانت بعض المركبات ترفع الأعلام الأمريكية، في إشارة لافتة إلى المناخ السياسي الذي أحاط بالعملية.
ومضت الرباط في قرارها دون تراجع. فقد استُدعي السفير الإسباني في الرباط مارتين غاميرو إلى وزارة الخارجية المغربية، حيث أُبلغ بوضوح أن المسيرة ستتواصل ولن يكون بالإمكان إيقافها، وأن الحكومة المغربية مستعدة حتى لاحتمال وقوع صدامات مع القوات الإسبانية وما قد ينجم عنها من خسائر بشرية.
وفي مواجهة هذا التطور، كانت القيادة العسكرية الإسبانية في الصحراء قد وضعت بالفعل خططاً دفاعية عبر عمليتي" مارابونتا وترابيسيو" ، بهدف نشر القوات المسلحة ومنع أي تقدم نحو مدينة العيون. وقد زُرع حقل ألغام في الخطوط الأمامية، بينما اتخذ الفيلق الثالث والرابع من الليغيون الإسباني مواقع دفاعية، مدعومين بكتيبة مشاة، ومجموعتين من وحدات الجمالة (القوات الصحراوية)، ووحدتين من المظليين، وسرايا مدرعة، إضافة إلى وحدات المدفعية. وكانت القوات الجوية تغطي انتشار الجيش، في حين كانت القوات البحرية تسيطر على الساحل.
وكانت جميع المؤشرات تدل على أن الجيش الإسباني مستعد لمنع وصول المسيرة إلى مدينة العيون بأي ثمن، لأن دخول هذا الحشد الضخم إلى المدينة كان ينذر باندلاع مواجهات عنيفة وربما حرب أهلية يصعب احتواؤها.
وفي الوقت نفسه اتخذ مقاتلو جبهة البوليساريو موقفاً اتسم بالحذر والانسحاب، على الرغم من أن إمكانات التدخل العسكري كانت متاحة لهم من الناحية النظرية. فقد آثروا التراجع نحو الشمال الشرقي من الإقليم حتى لا يفقدوا السيطرة على الممر الحدودي مع الجزائر، الذي كان يمثل شرياناً حيوياً لتحركاتهم وإمداداتهم. أما الجيش الجزائري فقد امتنع بدوره عن القيام بأي استعراض للقوة. وكان لهذا التردد العسكري أثر بالغ في مسار الأحداث. بل يمكن القول إن الجيش الإسباني المرابط في الصحراء، لو كان على علم بالإنذار المغربي وطبيعة الحسابات الجارية، لربما تحولت الأوضاع إلى مواجهة عسكرية مباشرة يصعب التنبؤ بعواقبها.
أما في مدريد فقد بدأ الضغط السياسي والدبلوماسي يعطي نتائجه. ففي وقت كان فيه الجنرال فرانكو يلفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى لا باز ، اختار مجلس الوزراء الإسباني التوجه نحو خيار التفاوض بشأن نقل السيطرة على الإقليم. ويبدو أن السبت 8 نوفمبر 1975 كان اللحظة الوحيدة التي بدا فيها احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة أمراً محققا. فقد وقعت بالفعل مناوشات محدودة بين القوات المغربية وعناصر من البوليساريو في الحوز والفارسية في جهة كلميم واد نون والمحبس في دائرة الزاك التابعة لإقليم آسا الزاك.
غير أن التطورات أخذت مساراً مختلفاً في اليوم نفسه، عندما التقى فرنانديث كارو بالملك الحسن الثاني في أكادير. وهناك تم التوصل إلى تفاهم يقضي بأن يصدر الملك أمراً بانسحاب المشاركين في المسيرة الخضراء، مقابل موافقة إسبانيا على نقل المسؤوليات المدنية والعسكرية في الإقليم إلى المغرب وموريتانيا. وهكذا بدأت تتبلور ملامح التسوية التي ستفضي لاحقاً إلى اتفاقيات مدريد.
وقد أثار نبأ هذا اللقاء في أكادير غضباً داخل الجيش الإسباني، إذ رأى كثير من ضباطه فيه إقراراً صريحاً بالتخلي عن الإقليم الصحراوي. ووفقاً لما أقرّت به السلطات الإسبانية نفسها، فقد شعرت مدريد آنذاك بأنها تُركت وحيدة في مواجهة الأزمة، حتى من قبل حلفائها، وأنها كانت عرضة لضغوط خارجية قوية. أما الأمم المتحدة فقد بدت في موقف ضعف واضح، عاجزة عن فرض احترام بعثاتها أو ضمان تنفيذ مضمون قراراتها. وفي المقابل بدا أن الولايات المتحدة تقف بصورة مكشوفة إلى جانب المغرب، ولا سيما من خلال عرقلة استخدام إسبانيا لمعدات عسكرية أمريكية.
وهكذا خرج الملك الحسن الثاني من هذه المواجهة السياسية منتصراً. فمن خلال هذه المبادرة الاستعراضية استطاع أن يفرض سياسة الأمر الواقع ، متجاوزاً نتائج بعثة الأمم المتحدة الخاصة، والرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، وخطة كورت فالدهايم، فضلاً عن قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن. وبذلك رسخت المسيرة الخضراء نفسها كواحدة من أكثر المبادرات الدبلوماسية إثارة وتأثيراً في تاريخ المغرب العربي المعاصر، وإن كان ذلك قد جاء على حساب انتهاك صريح لمبادئ وأسس القانون الدولي.
وفي 14 نوفمبر 1975 أُبرمت اتفاقيات مدريد التي نصت على نقل إدارة الإقليم وتقاسمه فعلياً بين المغرب وموريتانيا. وقد أُسندت المنطقة الجنوبية، وادي الذهب، بما في ذلك الكويرة، إلى موريتانيا، والجزء الشمالي الساقية الحمراء بما فيه مدينة العيون أصبح تحت إدارة المغرب. وقد إتضح فيما بعد أن تنازل إسبانيا عن الصحراء كان مقابل إشراكها في استغلال مناجم فوسفات بوكراع، وبقاء أسطول صيدها البحري في المياه الإقليمية الصحراوية، وبضمان قاعدتين عسكريتين لها قبالة جزر الكناري.
غير أن هذا الحل، الذي قُدِّم في حينه باعتباره تسوية براغماتية، سرعان ما فتح الطريق أمام اندلاع الحرب المباشرة . فقد انسحبت إسبانيا رسمياً في 28 فبراير 1976، وأعلنت جبهة البوليساريو قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لتندلع بعد ذلك المواجهة العسكرية بين المغرب وموريتانيا والجبهة، في ظل حضور جزائري مؤثر في خلفية الصراع عبر دعم البوليساريو بالعتاد العسكري والإسناد السياسي.
أما موريتانيا، التي كانت تمثل الحلقة الأضعف في هذا الصراع، فسرعان ما وجدت نفسها في مواجهة أوضاع شديدة الصعوبة، بفعل محدودية مواردها الاقتصادية والعسكرية. ويشير محمد عالي شريف في مذكراته إلى أن الحرب التي اندلعت آنذاك كانت دامية وقاسية، وقد وضعت الدولة الموريتانية أمام اختبار بالغ التعقيد.
فقد بدأت أولى الهجمات على إنال وعين بنتيلي منذ 7 ديسمبر 1975، قبل أن تتسع دائرة العمليات لتصل إلى العمق الموريتاني نفسه. توالت ضربات جبهة البوليساريو على قلعة عين بنتيلي، التي كانت آنذاك أحد المواقع المتقدمة في ساحة المعركة، حيث تمركز فيها خيرة الضباط وأشجعهم في الخطوط الأمامية. وفي 15 فبراير 1976 سقط عدد من الجنود البواسل في تلك المواجهات. وفي 19 فبراير استشهد القائد العسكري الشجاع الرائد اسويدات ولد وداد، وقد ارتوت أرض معركة بنتيلي بدمائه الطاهرة وهو يقاتل في الصفوف الأولى.
ويذكر محمد عالي شريف أن العوامل القبلية لعبت دوراً أساسيا في تلك المرحلة، وهو وضع كانت جبهة البوليساريو المستفيد الأكبر منه في البداية، قبل أن تلقى تداعياته ظلالها لاحقاً على الجميع.
وقد أصبحت الأوضاع، بحسب تعبيره، شديدة القسوة بالنسبة لموريتانيا، خاصة مع تعاطف بعض العناصر داخل المؤسسة العسكرية مع البوليساريو. ولم يكن من السهل التنديد بهذه الظاهرة بشكل علني، خوفاً من تأجيج الحساسيات القبلية داخل الدولة الفتية. ومع ذلك يشير إلى أن بعض تلك العناصر قدّمت دعماً لوجستياً ومعلومات استخبارية للجبهة، شملت تفاصيل تتعلق بالمواقع العسكرية والوسائل المادية والبشرية وخطط الجيش الموريتاني.
وقد أسهمت هذه المعطيات في زيادة دقة الهجمات وتكرارها، مما أدى إلى حالة من القلق داخل صفوف القوات الأكثر ولاءً للجمهورية. وفي هذا السياق تعرضت نواكشوط لأول هجوم مباشر في 8 يونيو 1976، وهو هجوم شارك في تنظيمه مقاتلون موريتانيون ارتبط بعضهم بروابط قبلية مع عناصر في جبهة البوليساريو.
وقد أُطيح بالرئيس المختار ولد داداه إثر انقلاب عسكري وقع في 10 يوليو 1978، حيث أُذيع البيان رقم واحد عبر أثير الإذاعة الوطنية معلناً نهاية النظام القائم. واختارت السلطة الجديدة منذ البداية الانسحاب من النزاع الصحراوي والبحث عن مخرج سياسي للحرب التي أثقلت كاهل البلاد.
وبعد أشهر طويلة من المفاوضات الشاقة والمعقدة بين وفد جبهة البوليساريو المفاوض والوفد الموريتاني في فريتاون عاصمة سيراليون، نجحت الدبلوماسية الجزائرية – ولا سيما بجهود أحمد طالب الإبراهيمي وعبد الحميد مهري – في تقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين الطرفين الصحراوي والموريتاني.
وقد تُوجت هذه الجهود في نهاية المطاف بتوقيع اتفاق سلام ساهم كذلك في صياغته وزير الخارجية الموريتاني أحمدو ولد عبد الله. ووقع الاتفاق كل من بشير مصطفى السيد باسم جبهة البوليساريو وأحمد سالم ولد سيدي باسم الوفد الموريتاني، وذلك في العاصمة الجزائرية يوم الأحد 5 أغسطس 1979.
وأنهى هذا الاتفاق الحرب بين موريتانيا والبوليساريو، كما أعقبته خطوة سياسية مهمة تمثلت في اعتراف الجمهورية الإسلامية الموريتانية بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. وقد كرّس الاتفاق الانسحاب الموريتاني الكامل والتخلي الرسمي عن أي مطالبة بالصحراء الغربية، مع تبني موريتانيا مبدأ الحياد في النزاع.
وعقب ذلك تحرك المغرب بسرعة لنشر قواته في المنطقة التي كانت تُدار سابقاً من قبل نواكشوط، بما في ذلك منطقة الكويرة، التي لم تعد منذ ذلك الحين موقعاً موريتانياً.
ورغم التحذيرات التي وجّهها عدد من كبار القادة العسكريين المغاربة إلى الملك الحسن الثاني بشأن المخاطر التي قد تنجم عن استبدال الجيش المغربي مباشرة بالجيش الموريتاني بعد انسحابه من منطقة وادي الذهب، خشية تشتت القوات المغربية على مساحة جغرافية أوسع يصعب التحكم فيها، فإن تشجيع فرنسا للملك على ملء الفراغ الذي خلفته موريتانيا ومنع البوليساريو من الاستفادة منه دفعه إلى إصدار أوامره بالسيطرة على الجزء الجنوبي من الصحراء في 14 أغسطس 1979.
وعندئذٍ شنّت جبهة البوليساريو سلسلة من الهجمات المتعاقبة على الجيش الملكي المغربي، وألحقت به خسائر بشرية ومادية معتبرة. وقد تركزت أبرز العمليات العسكرية في مناطق العيون، والداخلة، وكلتة زمور، وأمغالا، والمحبس، والسمارة، بل إن بعض الهجمات امتدت حتى منطقة الطانطان داخل العمق الترابي المغربي . كانت معارك حاسمة وعنيفة، امتزج فيها رمل الصحراء بدماء المقاتلين، وتعكّر سكون الأفق بأزيز الرصاص.
وبعد عامين فقط من هذه التطورات، أصدر الملك الحسن الثاني تعليماته بالشروع في فتح قنوات للتفاوض مع جبهة البوليساريو. وقد بدأت تلك الاتصالات بوساطة جزائرية سنة 1982 في العاصمة البرتغالية لشبونة، حيث انعقد لقاء بين بشير مصطفى السيد، شقيق مؤسس الجبهة الولي مصطفى السيد، ووزير الداخلية المغربي إدريس البصري.
ومع استمرار الحرب، أخذت اللقاءات والاتصالات الدبلوماسية تتزايد بين مختلف الأطراف المعنية. وفي نهاية المطاف تُوّج هذا المسار بتوقيع اتفاق تاريخي لوقف إطلاق النار في 6 سبتمبر 1991 بعد حرب ضروس دامت ستة عشر سنة ، كانت كارثية على طرفي النزاع ، وهو الاتفاق الذي مثّل قبول المملكة المغربية بمبدأ تقرير المصير كأساس لتسوية نزاع الصحراء الغربية، بعد أن كانت قد دافعت سابقاً عن خيار تقاسم الإقليم. أما جبهة البوليساريو فقد ظلت ترفض هذا الطرح، متمسكةً بشعارها الشهير: "كامل التراب أو الشهادة ".
ومع ذلك، فإن قضية الصحراء الغربية لم تُحسم قانونياً حتى اليوم. فبحسب موقف الأمم المتحدة لا تزال الصحراء الغربية تُصنَّف إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي، ويتعين تحديد وضعه النهائي عبر مسار لتقرير المصير. وفي هذا الإطار تظل مدينة الكويرة، وفقاً للقانون الدولي الأممي، جزءاً لا يتجزأ من الصحراء الغربية. كما أن وضعها الحالي يبقى معلقاً من الناحية القانونية؛ فهى غير معترف به دولياً بوصفها جزءاً من أرض المغرب، و غير معترف بها كذلك كأرض تحت السيادة الموريتانية. وهذا الوضع القانوني غير المحسوم هو ما يجعل مصير الكويرة موضوعاً دائماً للنقاش بين الباحثين والمحللين السياسيين.
وفي خضم هذا الجدل المعاصر برزت مداخلة القيادي الدفالي ولد الشين، أحد أعيان نواذيبو والمنتمي إلى قبيلة أولاد دليم، وهي قبيلة ارتبط تاريخها ارتباطاً وثيقاً بمقاومة الوجود الاستعماري والدفاع عن المجال الصحراوي في مواجهة الاختراقات الأجنبية. فقد تميز أسلاف هذه القبيلة مراراً في مقاومة المراكز الاستعمارية. ففي 2 نوفمبر 1894 شاركت مجموعات من أولاد دليم في الهجوم على مركز فيلا سيسنيروس، وهي العملية التي ألحقت أضراراً كبيرة بالمنشآت الإسبانية.
وفي السنة التالية 1895 اضطرت الشركة العابرة للأطلسي، بسبب استمرار حالة انعدام الأمن في المنطقة، إلى طلب الحماية من قبيلة أولاد دليم التي كانت تتمتع بنفوذ وعدد كبيرين، وتم توقيع اتفاق مع الشيخ العام للقبيلة يلتزم بموجبه بضمان أمن المبادلات التجارية ومنع أي اعتداء على الرعايا الإسبان.
ومع ذلك ظلت هذه العلاقة هشة وغير مستقرة، كما يظهر من خلال الهجوم الليلي الذي شنته مجموعات من أولاد دليم على بورت إتيان - نواذيبو يوم 26 مارس 1924، وهو ما يعكس استمرار روح المقاومة الصحراوية في مواجهة البنيات الاستعمارية.
وبحسب دفالي ولد الشين، فإن هناك عنصرين أساسيين ينبغي أخذهما في الاعتبار عند تناول هذه المسألة.
أما العنصر الأول فيتعلق بمدينة الكويرة، التي يرى أنها أرض ينبغي استعادتها من قبل موريتانيا، مذكّراً بأن المجموعات السكانية التي كانت تقيم فيها قد هُجِّرت وفقدت بيوتها وممتلكاتها نتيجة التحولات السياسية والعسكرية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية.
أما العنصر الثاني فيتعلق بمسألة خط السكة الحديدية المارّ عبر منطقة شوم، والذي كان مساره في السابق يمر عبر الغَار قبل أن يتم تحويله لاحقاً ليلتف حول هذه المنطقة. ويرى دفالي أن هاتين النقطتين تمثلان موقعين استراتيجيين بالغَي الأهمية بالنسبة لموريتانيا.
وانطلاقاً من هذا التصور، يقترح دفالي أن تتقدم موريتانيا بمبادرة سياسية إلى كل من الجمهورية الصحراوية والمملكة المغربية بهدف استعادة هاتين النقطتين الاستراتيجيتين. ووفق منطقه، فإذا وافق الطرفان معاً على التنازل عنهما، فإن موريتانيا ستحافظ على حيادها في نزاع الصحراء. أما إذا وافق أحد الطرفين ورفض الآخر، فإنه يرى أن موريتانيا يمكن أن تنحاز إلى الطرف الذي يقبل بالمقترح.
ويستحضر دفالي في هذا السياق واقعة يعتبرها ذات دلالة رمزية، تتعلق بوصول أول وفد صحراوي إلى موريتانيا قبل سنة 1975، برئاسة ابن عمه محمد الأمين ولد حرمة الله، أحد أعيان قبيلة أولاد دليم. ويُروى أن هذا الوفد التقى بالرئيس المختار ولد داداه في القصر الرئاسي، حيث نقل رئيس الوفد للرئيس أن الصحراويين يفضلون الارتباط بموريتانيا، لأنهم يجدون فيها فضاءً ثقافياً مشتركاً ينتمون إليه، هو فضاء البيظان، بما يحمله من روابط النسب والقرابة والمصاهرة. وذلك – بحسب الرواية – رغم محدودية الموارد الاقتصادية لموريتانيا، مقارنة بالمغرب الذي كان يمتلك وسائل وإمكانات أكبر، لكنه لم يكن يثير لدى كثير منهم الإحساس ذاته بالانتماء الاجتماعي والثقافي.
ويقال إن رد المختار ولد داداه جاء مطبوعاً بالحذر وروح المسؤولية، إذ أكد حينها أن همه الأول هو ألا يُراق دم أي صحراوي، سواء كان ذلك على يد الإسبان أو على يد أي طرف آخر.
وفي هذا الإرث التاريخي تندرج اليوم رؤية دفالي ولد الشين. فمداخلته تضيف بعداً خاصاً إلى نقاش غالباً ما تحكمه المقاربات الإيديولوجية أو الحسابات الدولية الصرفة. ووفقاً له، يمكن مقاربة قضية الكويرة من زاوية مختلفة: ليس عبر المغامرة العسكرية، ولا عبر المزايدات القومية، بل من خلال تسوية سياسية تفاوضية تجمع الجمهورية الصحراوية والمملكة المغربية وموريتانيا.
ولا تدّعي هذه المقاربة تبسيط التعقيد القانوني للملف أو تجاهل ذاكرة الصراعات التي عرفتها المنطقة. بل هي، في جوهرها، تعبير عن حدسٍ سياسي يستند إلى الجغرافيا وتاريخ الجوار، وإلى الوعي بأن هذا الموضع المحدد من الساحل الصحراوي يحمل إرثاً استعمارياً خلّف وضعاً استثنائياً ، ولا يمكن تجاوزه فعلياً إلا عبر تسوية تفاوضية متوازنة.
ومن هذا المنظور، تتقاطع رؤية دفالي ولد الشين، إلى حدّ ما، مع المغزى الأعمق الذي يمكن استخلاصه من مذكرات محمد عالي شريف. ففي الفضاء الصحراوي، نادراً ما أفضت الحلول المفروضة من طرف واحد إلى الاستقرار المنشود؛ بل كثيراً ما ولّدت توترات ممتدة عبر الزمن. وعلى العكس من ذلك، كانت التوازنات القائمة على الحوار والتسويات التفاوضية أقرب، تاريخياً، إلى طبيعة المجتمعات الصحراوية نفسها وإلى منطقها الاجتماعي والسياسي.
وهكذا، حين نعيد قراءة التسلسل التاريخي الطويل للملف الصحراوي، من المحاولات الإسبانية الأولى في القرن الخامس عشر للتوغل في الإقليم إلى الاندفاع الإمبريالي الأوروبي وتقسيم إفريقيا، ومن معاهدة 1884 مع أمير آدرار إلى خطاب أطار سنة 1957، ومن نقاشات النخب الموريتانية في 1968–1969 إلى ترتيبات 1972، ومن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي إلى اتفاقيات مدريد، ومن الحرب والمواجهة المباشرة إلى الانسحاب الموريتاني من النزاع سنة 1979 وما تلاه من مواجهات بين جبهة البوليساريو والمغرب—تتكشف أمامنا حقيقة واضحة.
إن قضية الكويرة والصحراء الغربية لا يمكن اختزالها في نزاع حدودي بسيط، ولا في مجرد تعارض بين أطروحات وطنية متقابلة. إنها قضية مركبة تمزج بين الإرث القبلي، وذاكرة المقاومة، والنصوص القانونية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، واستراتيجيات الدول، والأجندات والمصالح المغاربية، والتصورات المتنافسة للشرعية التاريخية.
ولأن هذا الفضاء ظلّ، عبر قرون طويلة، مفتوحاً على تحولات تاريخية وجيوسياسية متعاقبة، فإنه لا يزال يشهد تطورات مستمرة تتبدل بتبدل الحكّام وتغيّر الأولويات السياسية والإقليمية. وكما كتب محمد عالي شريف: «إن آفاق الصحراء تظل مفتوحة.»
ولعلّ في هذه الفسحة نفسها — التاريخية والإنسانية والسياسية — يكمن، يوماً ما، مخرجٌ قادر على إرساء تسوية متوازنة تأخذ في الاعتبار تعقيد هذا الملف وتشابك أبعاده، وتُرضي إلى حد ما مختلف الأطراف المعنية
 

محمد إشريف إشريف