
في ظل عودة الولايات المتحدة إلى واجهة التحركات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء الغربية، تتكثف القراءات حول طبيعة المرحلة الراهنة وحدود ما يمكن أن تفضي إليه.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية الموريتاني الأسبق محمد فال ولد بلال، أن النزاع دخل طوراً جديداً «لا يمكن وصفه بالحسم، بل بالاختبار الجدي للإرادات»، مؤكداً أن ما يجري يمثل انتقالاً واضحاً من حالة الجمود التقليدي إلى مرحلة تحريك محسوب للملف تحت ضغط الحضور الأمريكي المباشر.
وأوضح، وهو من أبرز وزراء خارجية موريتانيا الذين تابعوا لسنوات ملف الصحراء في تعليقات له على التدخل الأمريكي الجديد «أن الزخم الحالي لا يعني اقتراب تسوية نهائية بقدر ما يعكس اختباراً سياسياً ودبلوماسياً لمواقف الأطراف المعنية، في ظل دينامية تختلف عن المراحل السابقة التي طغى عليها الاكتفاء برعاية أممية دون انخراط مباشر من القوى الكبرى».
وأكد ولد بلال في تعليقاته التي تمت متابعتها على نطاق واسع، أن «حضور موريتانيا في أي مسار تفاوضي يظل ضرورياً ولازماً، لأنها معنية موضوعياً بالنزاع حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً فيه».
واستشهد بمنطقة «لگويرة» بما تمثله من إمكانات اقتصادية وتنموية، ولكونها متنفسا طبيعيا لمدينة نواذيبو، فضلاً عن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحدود وحركية القوات والتنقيب والجماعات المسلحة، مشدداً على أن مآلات الملف تمس المصالح الاستراتيجية الموريتانية.
واقترح في هذا السياق أن تبادر نواكشوط إلى تنظيم ندوة دولية حول حيادها تجاه النزاعات المحيطة بها، مستثمرة ما وصفه بـ«الطفرة الدبلوماسية الناعمة والوديعة» التي تعيشها البلاد، لكنه نبه إلى أن الحياد ليس مجرد توصيف سياسي، بل مفهوم قانوني تمنحه أطراف النزاع بشروط محددة، وليس صفة يعلنها بلد لنفسه من جانب واحد.
وخلص ولد بلال إلى «أن موريتانيا توجد حالياً في حالة نأي بالنفس أو حياد إيجابي، دون اعتراف قانوني رسمي يترتب عليه التزامات وحقوق دولية محددة».
وعبّر وزير الخارجية الموريتاني الأسبق عن أمله في أن يفضي استمرار الزخم الحالي، وقدرة الولايات المتحدة على مواصلة الضغط والحضور والتأثير على أطراف النزاع وعلى أوروبا وبقية المجتمع الدولي حتى اجتماع أيار/مايو المرتقب في واشنطن، إلى «حل أكيد» للنزاع.
وأكد ولد بلال «أن السيناريو المقابل يظل قائماً، فإذا تباطأت الرعاية الأمريكية أو تخلت عن الملف لسبب أو لآخر، فإن النزاع سيعود إلى «الجمود التقليدي»، لكنه سيكون، بحسب تعبيره، جموداً «مُداراً ومؤطراً، يخفف التوتر الميداني والإعلامي تدريجياً، ويحسن الأجواء الدبلوماسية في المنطقة من دون أن يبلغ حد الحل النهائي».
وأوضح أن المشهد يتحرك بين تصورين: الأول يعتبر أن الأطراف تقف على أبواب حل وشيك، والثاني يرى أنه لا جديد في الملف، أما الواقع فيكمن، بتقديره، في منطقة وسطى: «لا يوجد حل مؤكد بعد، وإنما هناك انتقال واضح من مرحلة الجمود إلى مرحلة الاختبار الجدي للأطراف المعنية».
واعتبر ولد بلال أن ما يميز المرحلة الحالية هو الحضور الأمريكي المباشر، بدلاً من الاكتفاء بدعم مسار الأمم المتحدة كما كان في السابق، مشيراً إلى أن اجتماعات مدريد فتحت صفحة جديدة عنوانها تحريك الملف واختبار مواقف الأطراف، من دون أن يعني ذلك حسم النزاع نهائياً.
ولفت إلى أن المقاربة الأمريكية تنطلق -ضمنياً- من افتراض أن مسألة السيادة قد تم تجاوزها عملياً، لينتقل النقاش إلى كيفية إدارة الإقليم في وضعيته الجديدة: شكل المؤسسات، آليات الإدارة، استغلال الموارد، والعلاقات مع المحيط الإقليمي» مضيفا قوله: «لكن جبهة البوليساريو تناقش هذه القضايا مع تمسكها بموقفها الأصلي، غير أن منطق الدبلوماسية يفرض قدراً من المرونة والتكيف مع اتجاهات الرأي العام الدولي». وتأتي قراءة وزير الخارجية الموريتاني الأسبق المقرب من نظام الرئيس الغزواني في وقت كشفت فيه صحيفة لوموند الفرنسية عن كواليس لقاء سري احتضنته مدريد يومي 8 و9 شباط / فبراير، جمع المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو برعاية أمريكية، في محاولة لإعادة إطلاق مسار سياسي ظل متجمداً منذ ست سنوات.
ووُصف الاجتماع، الذي جرى في مقر إقامة السفير الأمريكي بإسبانيا بعيداً عن الأضواء، بأنه يحمل أهمية استثنائية رغم طابعه غير المعلن.
وأشادت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة بـ «مناقشات بين وفود رفيعة المستوى»، فيما تحدثت تسريبات عن تحديد جدول زمني للتقدم خطوة بخطوة وصولاً إلى قمة مرتقبة في واشنطن خلال أيار/مايو المقبل، أملاً في التوصل إلى اتفاق إطار.
وأوفدت واشنطن شخصيات وازنة، بينها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، في مؤشر على تنسيق أمريكي-أممي مباشر لإعادة تحريك الملف، بالتوازي مع قرار مجلس الأمن الأخير بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لعام إضافي، مع تجديد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
ورغم الاختراق البروتوكولي المتمثل في جلوس وزيري خارجية الجزائر والمغرب على طاولة واحدة بعد قطيعة طويلة، فإن المفاوضين لم يتوصلوا إلى اتفاق بشأن إنشاء لجنة تقنية دائمة لبحث آليات تنفيذ مقترح الحكم الذاتي، وهو ما يعكس استمرار التباينات الجوهرية.
وهكذا، تتقاطع قراءة ولد بلال مع المعطيات الميدانية: لا حل نهائياً في الأفق القريب، لكن هناك انتقال من حالة الجمود إلى مرحلة اختبار الإرادات.
وهكذا يبقى اجتماع أيار/مايو في واشنطن حول قضية الصحراء، محطة مفصلية: إما أن يتحول الزخم الأمريكي إلى اتفاق إطار يفتح أفق التسوية، أو يعود الملف إلى «جمود مُدار» يخفف التوتر دون أن ينهي النزاع.
نواكشوط –«القدس العربي»:






(3).jpg)
.jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)