غزواني يلتقي الخميس بالطيف السياسي لدفع عجلة الحوار

جمعة, 02/01/2026 - 20:13

يتجه المشهد السياسي الموريتاني إلى محطة جديدة من مسار الحوار الوطني مع برمجة اجتماع مرتقب، يوم الخميس المقبل، يجمع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بأربعين شخصية سياسية من الأغلبية والمعارضة، في خطوة تُعدّ الأكثر تقدّمًا منذ إطلاق الغزواني مبادرة الحوار كمدخل ضروري لتجاوز حالة الاستقطاب السياسي وبناء توافقات وطنية حول القضايا الكبرى.

وبحسب الترتيبات المعتمدة، سيشارك في الاجتماع أربعون شخصًا موزعين بالتساوي بين الأغلبية والمعارضة، حيث خُصص عشرون مقعدًا لأحزاب الموالاة، ومثلها لقوى المعارضة.

وقد جرى تخصيص نصف مقاعد المعارضة لمؤسسة المعارضة الديمقراطية، فيما خُصصت المقاعد المتبقية للمعارضة غير الممثلة في البرلمان، وللأحزاب التي نالت الترخيص خلال الفترة الأخيرة.

وعلى مستوى مؤسسة المعارضة الديمقراطية، فقد حُسمت قائمة ممثليها عقب اجتماع داخلي لأحزابها، مع تسجيل موقف مقاطعة من أحد مكوناتها، في حين تقاسمت الأحزاب الثلاثة المتبقية المقاعد المخصصة، حيث سيمثل حزب «تواصل» بأربع شخصيات، مقابل ثلاثة ممثلين لكل من حزبي «جود» و»الصواب»، في توزيع يعكس موازين القوى داخل المؤسسة، لكنه لم يخلُ من نقاشات وانتقادات داخلية.

وفي المقابل، أبدت أطراف معارضة أخرى، تضم أحزابًا قيد الترخيص وهيئات وشخصيات سياسية، تحفظات على آلية تقسيم المقاعد، معتبرة أنها لم تُشرك بما يكفي في صياغة هذه الترتيبات.

وسبق لهذه الأطراف أن شكّلت في وقت سابق لجنة مصغرة بغرض لقاء رئيس الجمهورية، لطرح ما تعتبره شروطًا تمهيدية لأي حوار جاد، من بينها طبيعة الإشراف، وضمانات تنفيذ المخرجات، وتحديد جدول أعمال واضح ومُلزم. ولا تزال هذه المجموعة تدرس خياراتها بين المشاركة، أو الإصرار على لقاء تمهيدي، أو المقاطعة.

ومن جهة الأغلبية، برز في مراحل سابقة نقص في المعطيات المتعلقة بتفاصيل الاتصالات والتحضيرات، قبل أن تتضح الصورة لاحقًا عبر دعوات رسمية أكدت انعقاد الاجتماع، في سياق يعكس سعي الرئاسة إلى إعادة الإمساك بزمام المبادرة، وتجاوز حالة الترقب التي طبعت مسار الحوار خلال الأشهر الماضية.

ومن المنتظر أن يفتتح الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الجلسة ويترأس أعمالها بشكل مباشر، وهي خطوة تحمل دلالات سياسية قوية، وتنقل الحوار من مستوى التنسيق غير المباشر إلى مستوى الرعاية الرئاسية المباشرة، بما يضع جميع الأطراف أمام مسؤولية سياسية مضاعفة، ويجعل نتائج الاجتماع معيارًا لقياس جدية الالتزام بالحوار.

وسيخصص الاجتماع، وفقاً لمصادر مقربة من مطبخ القرار، لعرض المقاربات المختلفة بشأن محاور الحوار السياسية والانتخابية والتشريعية، ومناقشة آلية التسيير وشكل الإشراف وتحديد المواعيد الزمنية لانطلاق جلساته، في أفق الوصول إلى صيغة توافقية تمهّد لانطلاقه بصورة رسمية خلال الفترة المقبلة.

وفي قراءة تحليلية، يُنظر إلى هذا الاجتماع باعتباره نقطة اختبار حاسمة لمسار طال انتظاره، إذ لم يعد الخلاف محصورًا في مبدأ الحوار، بل في قدرته على إنتاج حلول عملية وقابلة للتنفيذ؛ فنجاح الاجتماع في الاتفاق على خارطة طريق واضحة، بآجال محددة وضمانات متفق عليها، قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية أكثر هدوءًا وتوافقًا، بينما سيعني فشله إعادة إنتاج حالة الشك والجمود، وتآكل الثقة بين السلطة والمعارضة.

وبين هذين الاحتمالين، يبدو أن الحوار بات اليوم أمام لحظة الحقيقة، حيث لم يعد التأجيل أو الغموض خيارًا قابلًا للاستمرار.

وفي سياق المواقف المتحفظة، برزت أيضًا تصريحات من داخل الطيف المعارض تؤكد أن الانخراط في أي مسار حواري لا يمكن أن يتم دون تهيئة شروط سياسية واضحة.

فقد شدد يعقوب المرابط رئيس حزب «تحدي» قيد الترخيص»، وأحد قادة الأحزاب المعارضة على أن تشكيلته لم تنتدب أي جهة لتمثيلها في أي لقاء مع السلطة بخصوص الحوار، معتبرًا أن المشاركة في حوار جاد تظل مشروطة بتوفير ضمانات مباشرة وملموسة، من بينها الإفراج عن سجناء الرأي، وترخيص الأحزاب التي استكملت شروطها القانونية.

مخاوف حقيقية بشأن جدية الحوار

وأوضح المرابط أن غياب هذه الضمانات حتى الآن يثير مخاوف حقيقية بشأن جدية الحوار ومآلاته، مؤكدًا أن أي مشاركة سياسية فاعلة ينبغي أن تقوم على أسس الثقة المتبادلة، والالتزام بمخرجات قابلة للتنفيذ، واحترام إرادة مختلف الفاعلين السياسيين.

ورغم ذلك، أكد المرابط أن حزبه لا يزال منفتحًا على مبدأ الحوار، شريطة تهيئة مناخ سياسي ملائم يضمن تكافؤ الفرص، ووضوح الآليات، وتحديد جدول زمني دقيق، مع إشراك الجميع دون تمييز، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز المسار الديمقراطي.

واكتفى السياسي المعارض أحمد ولد هارون رئيس حزب قوى التحرير (قيد الترخيص) بتدوينة كتب فيها ساخراً: «الحوار الذي تحدَّد مقاعده قبل الاعتراف بمدعويه، أشبه بمسرح يبدأ العرض فيه قبل دخول الممثلين؛ إنها إدارة مقاعد، لا إدارة اختلاف!».

وكان الرئيس غزواني قد أعلن، في مرحلة ما بعد الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية الأخيرة، عزمه تنظيم حوار سياسي شامل لا يُقصي أحدًا ولا يستثني موضوعًا، قبل أن يُكلّف السياسي المخضرم موسى فال بمهمة تنسيق هذا الحوار، في محاولة لإضفاء طابع توافقي على المسار، اعتمادًا على خبرته الطويلة وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطراف السياسية.

وقد مرّ مسار التحضير للحوار بعدة مراحل متمايزة؛ ففي مرحلته الأولى، انصبّ الجهد على استمزاج المواقف وبناء الثقة، حيث أجرى منسق الحوار سلسلة لقاءات منفصلة مع أحزاب الأغلبية والمعارضة، إضافة إلى شخصيات سياسية وهيئات مدنية، وتركزت هذه اللقاءات على رصد الأولويات والاعتراضات، وتحديد الخطوط الحمراء التي ترى بعض الأطراف ضرورة احترامها قبل الدخول في أي مسار حواري.

أما المرحلة الثانية، فقد تميزت بانتقال النقاش من المبدأ إلى المضمون والمنهجية، حيث طُرحت قضايا جوهرية تتعلق بطبيعة الإشراف على الحوار، وآلية اتخاذ القرار داخله، وضمانات تنفيذ مخرجاته، إضافة إلى نطاق القضايا المطروحة للنقاش، خصوصًا الملفات السياسية والانتخابية والتشريعية. وخلال هذه المرحلة، برزت تباينات واضحة بين الأطراف، ما أدى إلى تباطؤ المسار، وبقاء الحوار في دائرة التهيئة دون الانتقال إلى الانطلاق الفعلي.

وفي المرحلة الثالثة، قام منسق الحوار بتجميع خلاصات المشاورات وصياغتها في تقرير شامل، تضمّن رؤى ومواقف مختلف الفاعلين السياسيين، وقدم مقترحات عملية لتجاوز نقاط الخلاف.

وقد تسلم الرئيس هذا التقرير في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما شكّل انتقالًا من مرحلة التشاور المفتوح إلى مرحلة التمحيص السياسي، غير أن هذه الخطوة لم تُترجم فورًا إلى إجراءات عملية، ما غذّى انتقادات في أوساط المعارضة بشأن طول فترة التحضير وغياب مؤشرات ملموسة على قرب انطلاق الحوار.

وخلال الأسابيع الأخيرة، دخل المسار مرحلة رابعة أكثر حركية، تمثلت في اتصالات سياسية مكثفة لترتيب اجتماع جامع، يضم لأول مرة هذا العدد من الفاعلين السياسيين تحت رئاسة مباشرة من رئيس الجمهورية.

وتم خلال هذه الاتصالات التداول في مواعيد اللقاء وصيغته، قبل الاستقرار على عقده يوم الخميس المقبل، على أن يُخصص لاستعراض تقرير منسق الحوار ومناقشة خلاصاته، تمهيدًا للاتفاق على محاور الحوار وآليات تسييره وجدوله الزمني.

القدس العربي