فرحنا بخبر إطلاق مركز الإنقاذ البحري الذي تداوله الإعلام الوطني، واستبشرنا خيراً بهذا الإنجاز المأمول لتأمين الشريط الساحلي الممتد على المحيط الأطلسي وحماية الأرواح.
لكن، بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، توجد فجوة كبيرة تجرعت مرارتها بنفسي، برفقة صديقي وأفراد أسرته المكونة من زوجته وبناته الصغيرات اللائي لم يبلغن العاشرة من عمرهن، في تجربة حبست الأنفاس، وكادت أن تتحول إلى فاجعة حقيقية على بُعد كيلومترات قليلة من العاصمة نواكشوط.
مساء الجمعة الماضي، وقبيل غروب الشمس بقليل، تعرضت سيارتي لعطل مفاجئ وسط الرمال بين منطقتي "الجريدة" و"منتجع صباح"، على بعد كيلومترين فقط في منطقة نائية يتهددها خطران: العزلة، والمد البحري القادم.
في تلك اللحظات الحرجة، وسط هلع الأطفال وقلق العائلة، كان أول ما تبادر إلى أذهاننا هو اللجوء إلى الجهة الرسمية الموكل إليها إنقاذنا، فاتصلنا بالرقم الأخضر لخفر السواحل (105).
وهنا كانت الصدمة الأولى: الرقم مشغُولٌ باستمرار، ثم أصبح خارج التغطية تماماً!
بعد اتصالات مضنية عبر معارف شخصية، تمكنا من الوصول لضابط المداومة، ليفاجئنا بالصدمة الثانية التي أظهرت حسرة العجز والإهمال؛ إذ أبلغنا أن "خفر السواحل لا يتوفر على آلية للتدخل لسحب المركبات من المناطق المهددة بالمد"!
ولم يرافق هذا الرد أي إجراء ميداني لإرسال دورية طمأنة واستكشاف، رغم كل ما يتداول عن توفر الجهاز على سيارات الدفع الرباعي.
وتكتمل الصورة قسوة حين نكتشف أن نقاط المراقبة التابعة للبحرية الوطنية هي الأخرى لا تتوفر على سيارات رباعية الدفع ولا على آليات ثقيلة للإنقاذ والتدخل في مثل هذه الحالات الشاطئية الحرجة.
وفي إطار نقل الأحداث الواقعية والمعطيات الميدانية كما جرت بكل أمانة ودقة، أود الإشادة بالوقفة الإنسانية التي سجلتها دوريات الشرطة الوطنية عبر دراجاتها الرباعية، حيث مروا بنا وتفقدوا وضعنا بين الفينة والأخرى في حدود اختصاصهم الميداني، حتى تمكنا من إخلاء الأسرة عند الساعة الثالثة فجراً، بينما تُركت السيارة تحت تهديد أمواج المحيط يومين كاملين!
إن تقديم هذه الشهادة الميدانية يأتي تأكيداً على أملنا في تظافر جهود كافة مؤسساتنا الأمنية والعسكرية التي نجلها جميعاً ونثمن تضحياتها، لتكتمل منظومة السلامة بوجود آليات سحب وإنقاذ متخصصة لدى خفر السواحل والبحرية للتعامل مع هذا النوع من الحوادث الشاطئية.
أما الفصل الأخير من هذه المعاناة، فهو أن سحب السيارة تم عبر استعانة خاصة برافعة كبيرة تابعة لـ (أهل كمرا)، والتي نقلت المركبة إلى قبالة مقر خفر السواحل بالذات، لنستعين بعدها بآلية صغيرة سحبتنا نحو مقاطعة "لكصر".
إن مرور 72 ساعة كاملة دون تسجيل أي حضور لدورية واحدة لخفر السواحل على الشاطئ، يضع الجهاز أمام أسئلة استجوابية مشروعة يطرحها كل مواطن:
أين الجاهزية والآليات؟ كيف لجهاز بحري وسيادي أن يفتقر لآليات ثقيلة ورافعات إنقاذ مخصصة للتعامل مع الرمال والظروف الساحلية الصعبة؟ إن سحب المركبات من الرمال مسؤولية خفر السواحل لأنها داخل دائرة اختصاصهم، فهم الجهة الرسمية الوحيدة المختصة في مراقبة الشاطئ ومكافحة الهجرة غير الشرعية، ونريد كمواطنين موريتانيين الحصول على نفس الاهتمام والرعاية والتدخل السريع الذي يحظى به المهاجرون في عرض البحر وعلى الشواطئ، تنفيذاً للواجب الوطني والدستوري الملقى على عاتق جهاز أقسم أفراده على حماية الوطن والمواطنين وأرواحهم وممتلكاتهم.
لمن تُخصص الأرقام الخضراء؟ ما فائدة خط الاستغاثة (105) إذا خذل المواطن وهو يعاين الخطر أولاً بأول؟
هل المواطن خارج حسابات الإنقاذ؟ هل أصبحت مهمة خفر السواحل محصورة في تعقب وإنقاذ زوارق المهاجرين غير النظاميين، بينما يُترك المواطن الموريتاني لمواجهة الهلاك على شواطئ وطنه؟
إن هذه الحادثة تتجاوز حدود العطل الفني لتعكس خللاً هيكلياً في الشق البري والشاطئي لمركز الإنقاذ. ومن موقع المواطن الذي عاش التجربة والصدمة برفقة صديقه وأطفاله، أطالب السلطات المعنية بالتدخل الفوري عبر:
تثبيت يافطات إرشادية وتحذيرية تنبه المواطنين إلى خطورة التواجد في تلك المناطق النائية على المحيط الأطلسي، وتوضح طبيعة الرمال المحاذية للبحر كرمال شبه متحركة قادرة على ابتلاع المركبات حتى لو كانت رباعية الدفع.
تجهيز نقاط المراقبة الشاطئية التابعة للبحرية وخفر السواحل بسيارات رباعية الدفع وآليات إنقاذ ثقيلة مخصصة للرمال.
تفعيل أرقام خضراء متعددة ومزودة بنظام تحويل آلي لضمان استقبال البلاغات دون انقطاع.
تكثيف الدوريات الشاطئية بالسيارات والدراجات الرباعية بشكل دائم وملموس.
بقلم: محمد علوش القلقمي



(3)(1).jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)